«التسارعية الفعالة».. الحركة التي لا تمانع استبدال البشر بروبوتات

أثارت حركة «التسارعية الفعالة»، جدلاً بين أوساط وادي السيليكون حول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي في الفترة الأخيرة. إذ ظهرت هذه الفلسفة كتيار جديد مؤيد لتطوير الذكاء الاصطناعي بشدة أكبر من الأنصار التقليديين للتطور حتى. ويقول الخبراء أن هذه الفلسفة الجدلية «تسير على حافة الهاوية بين أن تكون فلسفة تقنية تحررية أو أن تكون محاولة عبثية لدعم واحدة من أهم التطورات التكنولوجيا في العالم.»

تمتلك الحركة العديد من الأنصار في وادي السيليكون ومختلف الأوساط التقنية العالمية اليوم، وتضم صفوف متبنيها العلنيين شخصيات كبرى مثل «جاري تان»، الرئيس التنفيذي للشركة الناشئة Y Combinator والشريك المؤسس السابق لشركة رأس المال المخاطر Initialized Capital. ويصر السيد تان بأن الحركة تتعرض لبعض تشويه الصورة في الإعلام، وبينما يقول تان أن الحركة لا تروج لاستبدال البشر بالروبوتات، فهي لا تعادي ذلك النوع من المستقبل أيضاً.

ترتبط التسارعية الفعالة بشدة بحركة أخرى عصفت بأثرياء التقنية في السنوات الماضية، وهي «الإيثار الفعال». إذ تضم صفوف متبني هذه المقاربة التي تسعى لتحقيق الربح الأقصى لاستغلاله في تحسين العالم لاحقاً شخصيات تتنوع من الملياردير الشهير «إيلون ماسك»، وحتى الملياردير السابق ومجرم الكريبتو المدان، «سام بانكمان-فريد». كما تضم الحركة نجوماً آخرين مثل «مارك أندريسين»، الشريك المؤسس في صندوق التحوط الشهير Andreessen Horowitz، و«مارتن شكريلي»، المُدان بجريمة الاحتيال.

لكن ما الفرق بين التسارعية الفعالة وفلسفة الإيثار الفعال؟ ليس هناك فرق كبير حقاً وفق «إيميت شير»، الرئيس التنفيذي المؤقت السابق لشركة OpenAI. إذ قال شير أن نفس الأشخاص المنتمين لحركة الإيثار الفعال موجودون في حركة التسارعية الفعالة. ويوضح شير: «الفرق الوحيد [بين الفلسفتين] هو تقييم ما إذا كان القضاء على البشرية يمثل مشكلة أم لا.»

يعتقد أتباع التسارعية الفعالة بحتمية خروج تقنيات الذكاء الاصطناعي عن سيطرة البشر من حيث نموها وتطورها المتسارع. ولا يكتفي أتباع الحركة برؤية تقدم الذكاء الاصطناعي هذا كأمر حتمي، بل أنهم يرونه كأمر مرغوب وحاجة ضرورية للتطور إلى ما بعد البشرية وفق منظورهم.

يرى أنصار الحركة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي كهدف مادي هام للغاية، وبالأخص مع الدراسات المتعددة مثل توقعات بنك Goldman Sachs بأن يولد الذكاء الاصطناعي 7 تريليونات دولار (حوالي 7% من الاقتصاد العالمي) عبر السنوات العشر التالية.

لا تعاطف مع البشر

تصف واحدة من أهم مدونات التسارعية الفعالة تأييد الحركة بأنه «قبول المستقبل». إذ ترى الحركة أن المستقبل قادم كمان تراه دون شك، والخيارات هي قبوله والتعامل مع الواقع، أو المحاولة دون جدوى لإيقافه. وتقول المدونة أن أنصار الحركة ليسوا مفكرين وفلاسفة بالضرورة، بل أنهم من يبنون المستقبل الذي تطمح إليه الحركة.

تتضمن المدونة العديد من الاقتباسات التي قد تبدو غريبة، بما يتضمن: «ليس لدينا تعاطف مع البشر البيولوجيين أو حتى بنية العقل البشري. نحن نؤمن بما بعد الإنسانية ونعترف بسيادة الأشكال الأعلى من التراكم الحر للطاقة على أشكال أدنى من التراكم الحر للطاقة. كما نهدف لتسريع هذه العملية للحفاظ على نور رأس المال التقني.»

مواضيع مشابهة

يقول مؤيدو التسارعية الفعالة بأنهم ليسوا مهتمين بالبشر البيولوجيين حقاً، لكنهم يصفون الحركة بأنها مؤيدة للإنسان. إذ يرى أنصار الحركة أن البشرية لن تنقذ نفسها، بل ستنقذها التقنية. لكن وعلى الرغم من أنهم لا يمانعون النشر على المدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، يبدو مؤيدو الحركة مترددين حيال التواصل مع الإعلام، ونادراً ما يستجيبون للأسئلة التي تتعلق بأمان الذكاء الاصطناعي.

الاستثمار في مستقبل ما بعد الإنسانية

يُعد جاري تان أحد أبرز المستثمرين في مجال التقنية وفقاً للتقارير. إذ استخدم شركة Y Combinator التي يرأسها للاستثمار في أكثر من 100 شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي. وكذلك هو الحال مع مارك أندريسن، الذي أصدر بياناً مكوناً من 5,000 كلمة يتحدث فيه عن دعمه للذكاء الاصطناعي سريع التطور، حيث استثمر بشكل كبير في الصناعة وتضمنت استثماراته شركة OpenAI التي ترود المجال.

من ناحية أخرى، أطلق مارتن شكريلي، المدان بقضايا احتيال تحظر عليه العمل في المجال الصيدلاني، شركة ذكاء اصطناعي سماها Dr. Gupta بعد إطلاق سراحه من السجن مباشرة. حيث تقدم الشركة روبوت محادثة يزود المستخدمين بالنصائح الطبية، وهو ما قابل انتقادات عديدة من المختصين، وازدادت الانتقادات بالنظر إلى ماضي شكريلي السيء في الصناعة. كما جمعت شركة Extropic، التابعة لـ «جيوم فيردون»، المنتمي للحركة أيضاً، تمويلاً أولياً بقيمة 14.1 مليون دولار لتطوير الشرائح الإلكترونية اللازمة لنماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
يرى مختلف المستثمرين المؤيدين للتسارعية الفعالة أن أموراً مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي ستجعل العالم مكاناً أفضل، كما أنها ستجعلهم أكثر ثراءً بالطبع. ولهذه الغاية يرى أنصار الحركة أنه على عاتقهم تقرير مستقبل البشرية عبر دفع التقنية إلى الحدود القصوى والوصول إلى المستقبل المشرق الذي يرونه. لكن وعلى الضفة الأخرى، يرى معارضو الحركة أن المستقبل الذي يروج له أنصار التسارعية الفعالة سيكون كئيباً وحتى دستوبياً. وفي مقابلة أجريناها مع الباحث في شركة Google، بليز أجويرا أركاس، كان رأيه المختصر تجاه التسارعية الفعالة: «إنها حركة مريعة. […] أعتقد أن النظر إلى الأمر على أنه التطور الطبيعي للتاريخ هو قراءة خاطئة للغاية.»

مثالية الحركة أمام الواقع الملموس

يقول معادو الحركة أن أنصارها يبسطون العالم إلى حد بعيد: سيحل الذكاء الاصطناعي مشاكلنا لأننا نريد ذلك، ونحن من نبرمجه. وسبق أن عبر عدد من مؤيدي الحركة عن اعتقادهم بأن مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي لن يستثمروا سوى في تطور الذكاء الاصطناعي الذي سيفيد البشر، لكن هناك خبراء يعارضون هذا الموقف بشدة. وتضمنت بعض آراء خبراء أمان الذكاء الاصطناعي أوصافاً مثل «إيدولوجيا خطرة وغير خاضعة للمساءلة ومُستوحاة من استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي.»

تكمن واحدة من أبرز الاعتراضات على الحركة في مشكلة غياب قدرتنا على التحكم بالذكاء الاصطناعي. إذ ينوه الخبراء إلى أن النماذج الحالية يتم تطويرها بالتدريب دون إشراف، كما أنها تفتقد للشفافية مما يعني أننا ندرك ما يفعله الذكاء الاصطناعي، لكننا لا نستطيع فهم سبب قيامه بالأمر أو كيفية تجنبه حقاً، ويبدو ترك الذكاء الاصطناعي يعمل دون إشراف كفكرة غير مسؤولة لهؤلاء الخبراء.

وسط الحديث عن النقاش بين أنصار التسارعية الفعالة ومعاديها، من المفيد ذكر تجربة «بازيليسك روكو» الفكرية. إذ تتحدث التجربة عن إمكانية وجود ذكاء اصطناعي حتمي يهمين على العالم في المستقبل، وسيكون لدى هذا الكيان حافز قوي لتعذيب الأشخاص الذين أدركوا أنه ممكن لكنهم لم يساهموا بتطويره أو أنهم قاوموا الأمر حتى. إذ تعود هذه الفكرة إلى منشور على أحد المنتديات عام 2010، واكتسبت الكثير من الشعبية منذ ذلك الوقت.

أخيراً، من المهم التذكير بأن الموقف الشديد لأنصار التسارعية الفعالة لا يعكس النظرة العامة بالضرورة. إذ تظهر اللقاءات والمقابلات مع العديد من الباحثين والخبراء في المجال أن النسبة الأكبر ترى الأطر التشريعية المناسبة كضرورة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وبالطبع فهم يرجحون مصالح المجتمعات على التطوير السريع وغير المسؤول للتقنية.

 

شارك المحتوى |
close icon